أبو حامد الغزالي
27
تهافت الفلاسفة
الضخمة التي تعلو قممها ، تبدو صغيرة الحجم متى نظر إليها من أسفل . بل لاحظ في كثير من المناسبات أن أحكامه التي يقيمها على حواسه الداخلية كثيرا ما تخطىء . وقد عرف من أشخاص بترت سيقانهم أو أذرعهم أنه كان يلوح لهم أحيانا أنهم يحسون ألما في العضو المبتور منهم ، فدعاه هذا إلى الاعتقاد بأنه لا يستطيع أن يكون على يقين من وجود ألم حقيقي يصيب عضوا في جسمه حتى ولو أحس هذا الألم . هذا إلى سبببن آخرين ييرران الشك في المعرفة الخسية ! أولهما : أنه ما أحس شيئا في يقظته إلا ظن أن في وسعه أن يحسه أثناء نومه ، وهو لا يظن أن ما يحسه في نومه صادر بالفعل عن أشياء خارجية ؛ لهذا لم يجد مبررا يسوغ له تصديق ما يحسه في يقظته أكثر من تصديقه ما يحسه أثناء نومه . وثاني السبببن ! أنه كان قد زعم أنه لا يعرف بعد خالقه - وهو ضامن الصدق في تفكيره - ولهذا لم يجد ما يمنعه من الشك في الطبيعة ، والظن بأنها هيأته أو خلقته يحيث يخطئ حتى فيما يلوح له أنه أصح الأشياء وأصدقها « 1 » » فإذا فتشنا في هذا النص أمكننا أن نستنبط منه جميع العناصر التي استخلصناها من عبارة الغزالي . ويهذا يكون الغزالي قد سبق مؤسس الفلسفة الحديثة في رسم طريق قويم للمعرفة ، وفي تحديد مكانة العقل ، والكشف عن جوانب القصور فيه . ولقد كان رسل B . Russell واضحا في مشابهة الغزالي في تجويز أن يكون وجود العالم مثل وجود الأشياء التي تظهر في رؤيا الحالم ، لا وجود لها في عالم الواقع ، وذلك حيث يقول : « أنه لا توجد استحالة منطقية تمنع من افتراض أن يكون الكون كله حلما طويلا ، وأن يكون خيالنا هو الذي ابتدع الحقائق التي تلوح لنا « 2 » » .
--> ( 1 ) أسس الفلسفة للدكتور توفيق الطويل . ص 245 ، 6 ، الطبعة الثانية . وفي نص قرأته عن هذا الموضوع في الإنجليزية ، وجدت أن ديكارت عاد فآمن بكفاية الطبيعة البشرية لأدرك الحق ، ضرورة أنها من اللّه الذي لا يمكن أن يخدع خلقه . ( 2 ) Problems of philosophy . p . 22 The Home University Library of modern Philosophy . p . 40 . Published in 1950 .